جلال الدين الرومي

500

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 1773 - 1786 ) ها هو يخاطب النفاج الذي يثرثر بما لا يفهم ويدعى ما ليس فيه قائلا : إن رائحة الكراهية وعدم الرضا تفوح من فمك كأنها رائحة الثوم ، ومن رأسك ووجهك يتأجج حزنك أيها النفاج ، وهذه المعركة فيها علماء حاذقون بالروائح ذوو فراسة ، ينظرون بنور الله ، ويدركون ما تحت الظاهر الخلاب من فقر مدقع . إنها معركة ، فإياك أن تظهر من نفسك شجاعة ليست فيك وجلدا ليس من خلقك وإلا فضحك هؤلاء ، لا تتحدث عن المسك بينما يفوح منك البصل وكيف تقول لقد طعمت الورد المطبوخ بالسكر بينما تفوح منك رائحة البصل قائلة لك : لا تهرف ولا تجدف ولا تتحدث عبثا وهذرا ، ها أنت تتحدث عن الباقيات الصالحات وعن الطيبات وتصعد إلى سماوات من صنع خيالك ، وتحاكى الطبيعة متحدثا عن عالم لم تدرك منه لمحة واحدة لكن قدمك الثابتة في الطين تكذبك ، إن ما تفعله ليس إلا من قبيل تعلقك بالدنيا أيضا ، ثم أين ذلك النور الذي يشع من الأخيار الطيبين . . لعلك . . تظن أن أحدا ليس مطلعا على قلبك ، ألا فاعلم أن لهذا البيت الواسع الموجود داخلك جيرانا حقيقيين يطلعون على أسراره وعلى ما يظن أنه خفى ، هم جواسيس القلوب يعرفون الناس بالتوسم ، يطلعون على القلوب من كوة لا اشتراك لك فيها ولا حصة لك منها ولا تدرى عنها شيئا هي حصة القلب المستنير بنور الله وإن كنت لا تصدق ذلك . . أن هناك من يرونك دون أن تراهم ، ومن يطلعون على أسرارك دون أن تعرف عنهم شيئا . فاقرأ في القرآن الكريم « إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ » ( الأعراف : 27 ) فها هو طريق لا يعرفه الإنس . . لأنه خارج نطاق معرفتهم وحواسهم فإياك والاحتيال والتصنع والتكلف في وسط هؤلاء الناقدين الذين ينقدون الزيف من الصحيح ، هم المحك المعنوي ، أليس المحك يكون عالما بسر القلب ، إذ جعله الله تعالى لكي يطهر القلوب ويجذب الأدران خارجها ، وكل هذا إنما يتم بالفراسة « واتقوا فراسة العبد المؤمن فإنه ينظر بنور الله » وإذا